كوباني في عين العاصفة: حصار المكان واستهداف المعنى

- 26 يناير 2026 - 134 قراءة

ليست كوباني مدينةً عاديّة في الجغرافية السورية، ولا مجرّد اسمٍ على خريطةٍ تتبدّل خطوطها مع كل جولة صراع، بل هي شعاع عزٍّ وسؤدد، انطلق قبل اثني عشر عامًا من عمق العتمة إلى فضاء الحرية، ليرسّخ أبجدية جديدة كُتبت في سِفر البطولة، بأجمل معاني التضحية والفداء.

كوباني ذاكرة حيّة، وجرحٌ مفتوح، ورمزٌ اختار أن يبقى واقفًا، رغم أن كل ما حوله كان يدعوه للسقوط.

اليوم، ومع تطوّر الأحداث الأمنية وعودة الحصار ليطوّق المدينة وأهلها بصورٍ مختلفة، تعود كوباني إلى واجهة المشهد، كأنّ التاريخ يصرّ على اختبار قدرتها على الاحتمال من جديد.

قبل سنوات، حين زحفت “داعش” نحو المدينة، كان العالم يراقب كوباني بوصفها معركةً عسكرية، بينما كان أبناؤها يرونها معركة وجود؛ لم يكن الدفاع حينها عن شارعٍ أو حيّ، بل عن معنى البقاء ذاته.

صمدت المدينة، لا لأن ميزان القوة كان لصالحها، بل لأن الإرادة كانت أقوى من السلاح، فتحوّلت كوباني إلى أيقونة، لا للكرد وحدهم، بل لكل من آمن بأن الشعوب – مهما كانت إمكاناتها المادية متواضعة – قادرة على كسر مشاريع الإبادة التي تستهدف إعادة رسم الجغرافية، وإعادة كتابة التاريخ بحبر الدم وألوان القهر.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد اسم كوباني يُستعمل كدلالة على موقع جغرافي محايد، بل كجزءٍ من تاريخ النضال الإنساني ضد أعداء الحياة، مهما اختلفت وجوههم أو تبدّلت شعاراتهم. فالمدن، في سياقات الصراع الطويل، لا تحتفظ بأسمائها كما هي، بل تكتسب معاني جديدة بفعل التجربة والمواقف.

في التحليل السياسي، يمكن النظر إلى كوباني بوصفها حالةً رمزية تحوّل فيها الاسم إلى اختزال لمعنى الصمود؛ إذ لم تعد تدلّ على مكانٍ فحسب، بل على نمطٍ من السلوك الجماعي القائم على التشبّث بالأرض والقيم الإنسانية تحت أقسى الظروف.

وهنا تكمن المفارقة, فالاسم الذي نشأ من الجغرافية، تسامى ليُعيد تعريف الجغرافيا نفسها. فكوباني لم تعد تُقاس بمساحتها، بل بما راكمته من ذاكرة مقاومة وطنية، جعلت استهدافها يمثّل حربًا على المعنى والفكرة والوجدان، لا على الموقع والشجر والحجر.

اليوم، يختلف المشهد في التفاصيل، لكنه يتشابه في الجوهر, حصارٌ لئيم يمنع الإنترنت والماء والدواء، وضغوط أمنية متعدّدة الأوجه والغايات، وتوتّرٌ مستمر يقتل الأمل والطمأنينة، وسط واقع إقليمي معقّد تتداخل فيه المصالح، وتتبدّل الاصطفافات، وتُرسم على جثث الضحايا تفاصيل الصفقات.

وعلى مرأى العالم، الذي دافعت كوباني عن قيمه ومستقبله, يموت أطفالها بردا وجوعا,  وفي بثٍّ حيٍّ ومباشر، وبشهادة المنظمات الدولية، تجد كوباني نفسها مرةً أخرى في عين العاصفة، لا لأنها اختارت التصعيد، بل لأنها تمثّل عقدة رمزية يصعب تجاوزها في أي معادلة سورية جديدة.

إن الاستهداف الذي يتعرّض له الشعب الكردي في سوريا لا يمكن فصله عن هذا السياق, فهو استهدافٌ مركّب يتجاوز البعد العسكري، ليطال السياسة والاقتصاد والهوية. فالكرد لا يُستهدفون فقط حين يحملون السلاح، بل حين يطالبون بالاعتراف، أو يسعون لتنظيم شؤونهم، أو يحاولون تثبيت حضورهم بوصفهم جزءًا أصيلًا من النسيج السوري. وتصبح كوباني، بما تمثّله من تحدي، في كل مرة ساحة اختبار لهذه العلاقة المأزومة بين المركز والأطراف.

إن التجربة التاريخية تقول إن الحصار لا يُنتج النسيان، بل على العكس؛ غالبًا ما يحوّل المدن المحاصَرة إلى ذاكرة مضاعفة، تتناقلها الأجيال، موثّقة بالدماء والمعاناة والقهر.

وما يجري اليوم في كوباني يعيد إلى الأذهان حقيقةً أساسية مفادها أن القضايا التي تمتلك روح الصمود لا تُصفّى بسهولة, فكل محاولة خنق تُنتج لغةً جديدة للمقاومة، وكل ضغط يولّد وعيًا أعمق بالذات والحق.

المستقبل، رغم ضبابيته، لا يُقرأ من زاوية الانكسار أو الانتصار وحدها. وتاريخ الشعب الكردي في سوريا يثبت أن البقاء لم يكن يومًا هبةً من أحد، بل نتيجة صبرٍ طويل ومراكمةٍ مستمرة للتجربة والتضحيات.

كوباني – التي خاضت معركة الصمود في وجه داعش وأخواتها وداعميها لمدة مئة واثني عشر يومًا – قد تُحاصَر، وقد تتأذّى وتتألّم، لكنها لا تُستنزَف ولا تستسلم؛ لأنها لم تعد مدينةً كغيرها من المدن، بل أصبحت رمزًا ومعنى، ومعاني ورموز الشعوب، مهما اشتدّ عليها الضغط وتكالب عليها الأعداء، فأنها لا تموت.

ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية في القاهرة

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.