بيان إدانة... تل أبيض جريمة بحق الكرد واختبار حقيقي لسيادة القانون في سوريا

- 27 أكتوبر 2026 - 61 قراءة

يدين مركز الخليج للدراسات الإيرانية – وحدة الدراسات الكردية، بأشد العبارات، الاعتداءات الخطيرة التي استهدفت عائلات كردية عائدة إلى مدينة تل أبيض «كري سبي» وريفها شمالي سوريا، في 26 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أثناء محاولتها العودة إلى منازلها وأراضيها واستعادة ممتلكاتها التي حُرمت منها سنوات بفعل التهجير.

إن الاعتداءات التي طالت مدنيين، بينهم نساء وأطفال، وما رافقها من تهديدات بالقتل وإهانات وتخريب للممتلكات وإحراق للسيارات، وفق التقارير والشهادات المنشورة، تمثل انتهاكًا بالغ الخطورة لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، وتكشف حجم المخاطر التي لا تزال تحيط بحقوق الكرد في العودة الآمنة إلى مناطقهم الأصلية. وقد أفادت تقارير صحفية وحقوقية بوقوع هذه الاعتداءات، وسط مخاوف على سلامة العائلات العائدة.

 

أولًا: حقوق الكرد ليست موضع مساومة أو ابتزاز سياسي

 

إننا نرفض بصورة قاطعة أن يتحول الانتماء القومي الكردي إلى سبب للتهديد أو الاعتداء أو الحرمان من الملكية والعودة. فالمواطن الكردي ليس مواطنًا من درجة ثانية، وحقوقه ليست منحة تقدمها سلطة أو جماعة مسلحة، كما أن استعادة المنزل والأرض لا يجوز أن تتحول إلى مغامرة محفوفة بالخطر على حياة أصحابها.

ولا يجوز استخدام الاتهامات السياسية أو الاشتباه في الارتباط بأي طرف مسلح ذريعةً لمعاقبة عائلات بأكملها أو انتهاك حقوق أفرادها المدنيين. فالمسؤولية القانونية، إن وُجدت، فردية وتُثبت بالأدلة والإجراءات القضائية العادلة، ولا تُفرض على أساس الهوية القومية أو الانتماء العائلي.

 

ثانيًا: ما جرى في تل أبيض ليس حادثًا عابرًا يمكن احتواؤه ببيانات التهدئة

 

إن خطورة ما حدث لا تنحصر في الاعتداءات المباشرة، بل تمتد إلى الرسالة التي يبعث بها إلى آلاف المهجّرين: هل يستطيع أصحاب المنازل والأراضي العودة إلى ممتلكاتهم بأمان، أم سيظلون رهائن للتهديدات وموازين القوة والوقائع المفروضة على الأرض؟

إن حرمان السكان من العودة، أو ترهيبهم عند محاولتها، أو الاستيلاء على ممتلكاتهم ومنعهم من استعادتها، ممارسات لا يمكن التعايش معها باعتبارها أمرًا طبيعيًا في مرحلة إعادة بناء الدولة. وأي تساهل مع مرتكبي الاعتداءات من شأنه أن يعزز الإفلات من العقاب، ويعمق انعدام الثقة، ويقوض فرص الاستقرار والتعايش بين مكونات المجتمع السوري.

 

ثالثًا: نحمّل الجهات المسؤولة عن الأمن والإدارة مسؤولياتها القانونية والأخلاقية

 

إن حماية المدنيين واجب لا يقبل التأجيل أو الانتقائية. وعلى السلطات السورية والجهات الأمنية والإدارية المعنية في تل أبيض اتخاذ إجراءات عاجلة وملموسة لضمان سلامة العائلات العائدة، ومنع أي اعتداء جديد عليها، وحماية منازلها وأراضيها وممتلكاتها.

كما نطالب بفتح تحقيق مستقل وشفاف في الأحداث، وتحديد المسؤولين المباشرين عن الاعتداءات، والتحقيق في أي تقصير أو امتناع عن حماية المدنيين، وإحالة المتورطين إلى القضاء المختص وفق ضمانات المحاكمة العادلة. ولا ينبغي أن تتوقف المساءلة عند المنفذين، بل يجب أن تشمل كل من تثبت مسؤوليته القانونية عن التحريض أو التسهيل أو التقاعس المتعمد.

 

رابعًا: العودة حق أصيل وليست مِنّة من أحد

 

يشدد مركز الخليج للدراسات الإيرانية – وحدة الدراسات الكردية، على أن حق المهجّرين في العودة الطوعية والآمنة والكريمة إلى منازلهم وأراضيهم، واستعادة ممتلكاتهم والتعويض عن الأضرار التي لحقت بها، يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي مسار جاد لتحقيق الاستقرار في سوريا.

ونطالب بوضع ضمانات عملية وعلنية لهذه العودة، تشمل الحماية الأمنية الفعلية، وعدم التمييز القومي أو السياسي، وتوثيق الممتلكات المتضررة أو المستولى عليها، وإزالة العقبات التي تحول دون استعادتها، وتوفير آلية تتيح للمتضررين تقديم الشكاوى والحصول على الإنصاف.

كما ندعو المنظمات الحقوقية والجهات الدولية المعنية إلى متابعة ما جرى في تل أبيض، وتوثيق الانتهاكات والتحقق من مصير العائلات المتضررة، وممارسة الضغط اللازم لضمان عدم تكرارها.

 

خامسًا: استهداف الكرد يهدد مستقبل سوريا بأكملها

 

إن سوريا التي تسعى إلى التعافي من سنوات الحرب لا يمكن أن تُبنى عبر إقصاء أحد مكوناتها أو تخويفه أو الانتقاص من حقوقه. ولا يمكن الحديث عن وحدة وطنية حقيقية في ظل استمرار التمييز أو التساهل مع الاعتداءات على المدنيين بسبب هويتهم القومية.

إن وحدة سوريا لا تعني صهر الكرد أو إنكار خصوصيتهم القومية والثقافية، كما أن الحفاظ على الاستقرار لا يعني إسكات الضحايا أو مطالبتهم بالتنازل عن حقوقهم. فالمواطنة المتساوية وسيادة القانون وحماية التنوع هي الأسس التي تمنح الوحدة الوطنية معناها الحقيقي.

ونحذر من أن استمرار الاعتداءات وغياب المساءلة قد يفتحان الباب أمام مزيد من الاحتقان والانقسام، ويحولان قضايا العودة والملكية والحقوق المدنية إلى بؤر دائمة للتوتر. إن المسؤولية تقع على عاتق الجهات القادرة على منع ذلك، قبل أن تتسع دائرة الأذى وتترسخ وقائع جديدة من الخوف والتمييز.

ختامًا

إن مركز الخليج للدراسات الإيرانية – وحدة الدراسات الكردية، إذ يدين هذه الاعتداءات بأشد العبارات، يؤكد أن كرامة الكرد وحقوقهم القومية والمدنية وحقهم في العودة إلى ديارهم خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها أو إخضاعها للمساومات السياسية والأمنية.

ونقول بوضوح: لا يجوز أن يُطلب من الضحية الصمت باسم الاستقرار، ولا أن يُترك المهجّر لمواجهة التهديد بمفرده، ولا أن تصبح ممتلكات المواطنين مستباحةً بفعل الأمر الواقع. فالعدالة ليست عقبة أمام السلام، بل شرطه الأول، والمحاسبة ليست تصعيدًا، بل ضرورة لمنع تكرار الجريمة.

إننا نقف إلى جانب حق المدنيين الكرد في الأمن والعودة والملكية والكرامة، ونطالب بحماية فورية للعائلات المتضررة، وتحقيق جاد ومحاسبة قانونية للمسؤولين، وضمانات لا لبس فيها لعدم تكرار هذه الانتهاكات.

لن يكون هناك سلام مستدام في سوريا ما لم تُصن حقوق الكرد وسائر مكوناتها، وما لم يخضع الجميع، بلا استثناء، لسلطة القانون.

 

مركز الخليج للدراسات الإيرانية

وحدة الدراسات الكردية

 

القاهرة - لندن

27 أكتوبر 2026

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.