اللّامركزية في الحكم: طريق نحو مواطنة فاعلة ومسؤولة

- 7 مايو 2026 - 8 قراءة

في قلب أزمات منطقة الشرق الأوسط، تبرز قضية المواطنة كواحدة من أعقد الإشكاليات وأكثرها عمقًا واستراتيجية. فهي ليست مجرد مسألة حقوق وواجبات، بل تعبير عن طبيعة العلاقة بين الدولة والفرد، وبين المجتمع والفرد، وبنية النظامين السياسي والاجتماعي في آنٍ واحد.

وقد شهدت عدة دول في الشرق الأوسط، ومنها سوريا، تراجعًا واضحًا في مفهوم المواطنة، لصالح انتماءات فرعية طائفية ومذهبية وعرقية ومناطقية. ولم يكن هذا التراجع عرضيًا، بل نتيجة مباشرة لبُنى سياسية مغلقة، قامت على مركزية شديدة تُقصي ولا تُشرك، وتُهمّش بدل أن تُدمج وتفعّل المشاركة المجتمعية.

وقد أسهمت هذه البُنى السياسية في إفراز تعددية انتماءات فرعية (مناطقية، ثقافية، دينية، مذهبية، عرقية، خارجية، وشخصية أحيانًا) جاءت على حساب الانتماء الوطني الجامع، ما أدى إلى تصدّع النسيج الاجتماعي، وتهديد مباشر للسلم الأهلي، وفي بعض الأحيان إلى اندلاع حروب أهلية. كما ساهمت في خلق بيئة خصبة للتطرف والإرهاب والجريمة، وعمّقت فجوة الثقة بين مكونات المجتمع والسلطة.

وما يزيد من تعقيد هذا المشهد هو غياب رؤية استراتيجية لمعالجة الأزمة. فالمواطنة لا تزال تُعالج بمنطق إدارة الأزمات، لا بمنطق إعادة التأسيس. وغالبًا ما يُكتفى بالتعامل مع مظاهر الأزمة (المواطنة) وتداعياتها، دون التطرق إلى جذورها البنيوية المرتبطة بنظام الحكم ذاته، وبطبيعة الإدارة السياسية للدولة.

والسؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح هنا هو: ما طبيعة النظام السياسي الذي نحتاجه كي نؤسّس لمواطنة حقيقية؟

لقد أثبتت العديد من النماذج المركزية، التي بُنيت على أسس قوموية أو دينية، فشلها في تحقيق الاستقرار والتنمية والمشاركة الفعلية. ورغم هذا، لا يزال بعض الأنظمة يُصرّ على اجترار هذه النماذج البالية، غير آبه بالتحولات الجذرية التي شهدها العالم بفعل الثورة التكنولوجية والمعلوماتية والعولمة، والتي جعلت من المستحيل إدارة المجتمعات الحديثة بالآليات والمنهجيات ذاتها التي صيغت في القرن الماضي.

في المقابل، نجد دولًا مثل سويسرا وألمانيا وغيرها، تبنّت أنظمة حكم لامركزية تتماشى مع خصائص وطبيعة مجتمعاتها، ونجحت من خلالها في تحقيق نهضة سياسية وتنموية واجتماعية. كان من الأجدر بالدول التي تعاني من أزمات بنيوية في الحكم أن تدرس تلك النماذج وتستلهم منها ما يُناسب واقعها.

ورغم أهمية قضية المواطنة واستراتيجيتها، والتي تُعدّ مدخلًا أساسيًا لأي عملية نهوض حضاري وأخلاقي وقيمي، من خلال بناء مواطن حر في مجتمع حر، فإنها لا تزال تُعاني من غياب المعالجة الجذرية. فهي لم تُطرح بعد كقضية مركزية تستوجب مقاربات استراتيجية شاملة، بل ما تزال تُعالَج بأساليب سطحية، أما للافتقار المعرفي والإدراكي لضرورتها واستراتيجيتها. أو تناولها من منظور الإدارة في أزمة قضية المواطنة وليس إدارتها من منظور استراتيجي وحتمي.

إن جوهر الإشكال يكمن في طبيعة نظام الحكم والإدارة السائدة، وهي التي تُحدد شكل المواطنة وهويتها. ومن هنا تبرز الحاجة المُلحّة إلى إعادة النظر في بنية الدولة، وتبني نهج الحوكمة الرشيدة الذي يعزز المواطنة الفاعلة والمسؤولة، ويفتح الباب واسعًا أمام المشاركة المجتمعية في صنع القرار.

تكمن المشكلة الأساسية في التعامل مع نظام الحكم من منظور إداري ضيّق، بدلًا من النظر إليه كمنظومة حوكمة شاملة تُعنى ببناء العلاقة الصحية بين الدولة والمجتمع. فرغم الفشل الذريع الذي مُنيت به أنظمة الحكم المركزية، سواء القائمة على أسس قوموية أو دينية، لا يزال البعض يرفض الاعتراف بعدم ملاءمتها لعصرنا الراهن، ويصرّ على إعادة إنتاجها، متجاهلًا التغيرات العميقة التي طرأت على البنى المجتمعية والاقتصادية والمعرفية.

لقد خلقت الأنظمة المركزية مواطنًا متلقيًا للقرارات، لا شريكًا في صياغتها. مواطنًا يُطلب منه الطاعة دون اقتناع، ويُقصى عن الفعل السياسي والاجتماعي الحقيقي. وفي ظل هذه العلاقة المختلّة، القائمة على السلطوية، تنشأ بيئة سلبية مشحونة بالتوتر، ويترسخ الشعور بالاغتراب داخل الوطن. وبدلًا من أن تقوم العلاقة بين السلطة والمواطن على الاحترام المتبادل والثقة المتبادلة، نجدها تتحوّل إلى علاقة فوقية تُقصي وتُهمّش وتُضعف الحس بالانتماء والمسؤولية.

وفي السياق السوري، يتجلّى هذا الواقع بوضوح. فالإقصاء والتهميش، وغياب المشاركة الحقيقية في صنع القرار، ساهما في تعميق الأزمة الوطنية، ودفع شرائح واسعة من المجتمع إلى الانكفاء أو المعارضة أو الهجرة.

إن أحد المفاتيح الأساسية لإعادة بناء سوريا جديدة قائمة على المواطنة الحقة، هو اعتماد اللّامركزية كخيار استراتيجي في نظام الحكم.

اللّامركزية في الجوهر ليست مجرّد توزيع إداري للسلطات بين المركز والأقاليم، بل هي فلسفة حكم تؤمن بأن إشراك المواطن في صنع القرار هو الطريق الوحيد لتعزيز انتمائه، وشعوره بالمسؤولية، ومساهمته الفاعلة في التنمية.

إن نظام الحكم اللّامركزي يُتيح تقوية الأطراف بدل تهميشها، ويُعزز العلاقة بين المركز والمجتمع بدل أن يجعلها علاقة وصاية أو تبعية. كما يُكرّس ثقافة قبول الآخر، ويُعلي من شأن التنوع بوصفه عنصرَ غنىً لا تهديدًا.

وفي الختام، لا يمكن الحديث عن دولة مستقرة أو وطن جامع دون إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. وهذه العلاقة لا يمكن أن تكون صحيّة إلا إذا تأسست على قاعدة من المشاركة والمسؤولية والاحترام المتبادل.

واللّامركزية، بما توفّره من آليات تمثيل ومشاركة، قد تكون المدخل الأوسع لتحقيق هذه العلاقة، وبناء وطن يشعر فيه الجميع أنهم شركاء حقيقيون في الحاضر والمستقبل.

 

* ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية - القاهرة

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.