استراتيجية الخوارزميات... كيف توظف إيران الذكاء الاصطناعي في الحرب السيبرانية؟

- 16 مارس 2026 - 29 قراءة

عَلَى ما يَبْدُو أَنَّ اَلذَّكَاءَ اَلِاصْطِنَاعِيّ لَنْ يُصْبِحَ وَسِيلَةً لِتسْهِيلِ حَيَاةِ اَلْبَشَرِ أَوْ الدول ، خَاصَّةً في ظِلِّ اَلتَّطَوُّرِ اَلْكَبِيرِ الذي شَهدته نُظم الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأوان الأخير الذي قد يُسهم في تطوير أدوات صناعة القرار وتحسين صياغة استراتيجيات التعاون وإدارة الصراع فحسب ، بل قد يصبح في حد ذاته وسيلة لتدمير حياة البشر والدول أيضًا وذلك مِنْ خلال استخدامه في تعزيز الهجمات السيبرانية .

في الوقت نفسه، لقد افتتحت إيران العديد من المراكز المُتخصصة في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، وذلك بهدف التركيز على تنفيذ المشاريع الكبيرة والتطبيقية في مجال الذكاء الاصطناعي.

وبهذا تحول الذكاء الاصطناعي إلى واحد مِنْ أبرز الموضوعات  الرئيسة المُدرجة على قائمة أجندة القادة الإيرانيين الذين اظهروا اهتمامًا ملحوظًا وكبيرًا بهذا المجال.

وفي ذات السياق ، نشرت وكالة الأنباء الإيرانية أن البرلمان قد وافق على تأسيس المُنظمة الوطنية للذكاء الاصطناعي، وذلك باعتبارها هيئة مُستقلة تعمل تحت إشراف رئيس الدولة، وذلك بغرض تنظيم وتطوير منظومة الذكاء الاصطناعي .

في الوقت نفسه، تُعدَ هذه الخطوة مُهمة وذلك مِنْ خلال إضفاء الطابع المؤسسي على حوكمة الذكاء الاصطناعي في إيران ، كما تهدف هذه المُنظمة إلى وضع إيران بين أفضل ١٠ دول تُسخر الذكاء الاصطناعي للحوكمة والاقتصاد الرقمي بحلول عام 2034م. ويتم ذلك مِنْ خلال دمج تطوير الذكاء الاصطناعي في صياغة السياسات الوطنية، وتعزيز الابتكار التكنولوجي والاقتصاد القائم على المعرفة.

 وعلى الرغم مِنْ امتلاك إيران قدرات علمية مُتقدمة ، إلا أن  تأخرها التكنولوجي في كل من القطاعات الصناعية والعسكرية يجعلها تبدو في جانب ضعيف أمام خصومها مثل : (إسرائيل) التي تتفوق وتتقدم عنها في الذكاء الاصطناعي.

 

وبناءً على ما سبق، يُلاحظ أن إيران على الرغم من أنها دولة تُعد ذات بنية ضعيفة وهشة يُمكن استهدافها بسهولة مِنْ خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة عن طريق الهجمات السيبرانية أو العسكرية المدعومة بأنظمة الذكاء الاصطناعي ؛ إلا أنه على مدى العقود الماضية  لقد تطورت قدرات  إيران السيبرانية  في ظل القوى العظمى، حيث اعتبرت الأنشطة السيبرانية الإيرانية جزءًا رئيسًا مِنْ إستراتيجية هجينة تجمع بين كل من القوة العسكرية بشكلها التقليدي والحرب السيبرانية.

وبالنظر لطهران يُلاحظ أنها تستخدم عملياتها السيبرانية لتكملة إستراتيجياتها الجيوسياسية الأوسع، حيث تلجأ للتجسس السيبراني وذلك من أجل الحصول علي مزايا إستراتيجية أو للرد على العقوبات والتهديدات العسكرية ، ومع تزايد استخدامها لتقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها السيبرانية، تزداد احتمالية حدوث أنشطة أكثر ضررًا، مما يُشكل تحديًا وتهديدًا للاستقرار الإقليمي والأمن العالمي .

وفي ضوء ذلك، يُلاحظ أن إيران تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاقٍ واسع، وذلك مِنْ أجل تعزيز قدراته في مجال الحرب السيبرانية، إنتاج مُحتويات مُزيفة، فضلاً عن تنفيذ عمليات اختراق وتسلل تستهدف الولايات المتحدة الأمريكية و(إسرائيل) .

والدليل على ذلك، يُلاحظ أن الهجمات السيبرانية الإيرانية التي ظهرت مؤخرًا تُظهر تصعيدًا في استراتيجيات المُواجهة مع (إسرائيل)، حيث تعتمد إيران على هذا النوع مِنْ الحروب وذلك بصورة مُتزامنة مع المُواجهة العسكرية المُباشرة. ومن المُلاحظ أَنْ هذه الهجمات تأتي كجزء مِنْ استراتيجية إيران التي تهدف يشكل مُتوسع إلى توسيع نطاق الصراع واستهداف البنية التحتية لـ(إسرائيل).

وعلى الرغم مِنْ أَنْ إيران لا تمتلك نفس المُستوى التقني والتكنولوجي المُتقدم الذي تتمتع به كل من (إسرائيل) والولايات المتحدة، إلا أنه يُلاحظ أن قدرتها المُتميزة تظهر مِنْ خلال استغلال ثغرات ونقاط ضعف هذه الدول بشكلٍ فعال ، مما يجعل هجماتها ذات تأثير خطير.

كما تُعدَ هذه القدرة على الابتكار والتكيف والمرونة هي إحدى نقاط القوة الرئيسة لإيران في مجال الأمن السيبراني . وفي ذات السياق، ازدادت وتيرة هذه الهجمات بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة ، خاصةً بعد عام ٢٠٢١ م ، وأحداث أكتوبر 2023م ، مما قد يُشير إلى تصعيد كبير في استخدام هذا النوع من الأدوات التقنية التي تُعتبر جزء من النزاعات الإقليمية.

وبناءً على ذلك، يُلاحظ أن هذه التطورات تعكس أهمية الأمن السيبراني كجبهة جديدة في الصراعات الحديثة حيث أضحت الهجمات السيبرانية أداة استراتيجية فعالة في تحقيق أهداف سياسية وعسكرية دون الانخراط في مُواجهات عسكرية تقليدية مُباشرة.

ومن الأهداف الرئيسة التي تسعى الهجمات السيبرانية الإيرانية إلى تحقيقها تتمثل في إحداث أضرار في البنية التحتية ، فضلاً عن تعطيل المرافق الحيوية، شبكات الكهرباء شبكات المياه ، أنظمة تشغيل الموانىء، التشويش، إختراق أنظمة القيادة العسكرية ، والسيطرة على الدولة الإسرائيلية وذلك مِنْ خلال الحصول على المعلومات الأمنية الحساسة التي يصعب الحصول عليها .

وعلى الرغم مِنْ تعدد وتنوع الأدوات والتقنيات التي تستخدمها الهجمات السيبرانية الإيرانية على (إسرائيل) والتي تتمثل في البرمجيات الخبيثة والتقنيات الهجومية المُتطورة ، سرقة البيانات. إلا أنه يُلاحظ أن هذه الهجمات السيبرانية جاءت نتيجة عمليات انتقام نفذتها جهات إيرانية و مجموعات قرصنة مُوالية لها .

كما تم أيضا استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في تغيير وتعديل أساليب الاختراق والتكيف مع أنظمة الدفاع الصهيونية الإلكترونية، حيث يُعدَ هذا النوع مِنْ الهجمات السيبرانية غير المسبوقة التي استهدفت البنية التحتية الرقمية لدولة إسرائيل ، التي تشتمل على شبكات الطاقة والمؤسسات الحكومية الحيوية ، ونتيجة لهذه الهجمات أدى ذلك إلى وجود حرب نفسية عبر شبكة الإنترنت وذلك مِنْ خلال بث رسائل التهديد والإنذار الكاذبة مِنْ أجل إثارة الخوف وبث الذعر في (إسرائيل)، حيث تضمن الهجوم على الجوانب التقنية و الإعلامية في آنٍ واحد.

وهناك عدة جهات مُرتبطة بإيران قامت بتنفيذ هذه الهجمات السيبرانية . مثل : مجموعة حنظلة وهي مجموعة مُوالية لطهران - ظهر نشاطها مؤخرًا ضد المصالح الإسرائيلية، وقد اخترقت أنظمة شركات إسرائيلية ، ثم ظهرت مجموعة أخرى تُسمى "الحشاشين" التي تُعدَ مِنْ ضمن الجهات الداعمة لإيران، والتي استهدفت أيضًا مواقع إسرائيلية وأمريكية، وكذلك ظهرت مجموعات هاكرز موالية لإيران.

و قد تسببت هذه الهجمات الإيرانية في العديد مِنْ الأضرار التقنية لـ(إسرائيل). فبناءً على التقارير تعرضت شركات حيوية وبنى تحتية رقمية للعديد من الأضرار على سبيل المثال أعلنت مجموعة  حنظلة الموالية لطهران أنها سرقت أكثر من 2 تيرابايت للبترول من البيانات والـ (terabyte) هو وحدة قياس لكمية البيانات الرقمية ، حيث سرقت بیانات حساسة من شركات إسرائيلية ، وقد تضمنت هذه البيانات على معلومات تجارية وتقنية بالغة الأهمية .

وفي جانبٍ آخر، تمكن قراصنة إيرانيون آخرون مِنْ اختراق شبكة اتصالات إسرائيلية. وبالتالي، يُلاحظ أن إيران قد نجحت بشكلٍ كبير عبر هذه الحرب الإلكترونية في إحداث اضطراب وتشويش الجبهة الداخلية الإسرائيلية فضلاً عن نشر الشعور بعدم الأمان بين المدنيين بشكلٍ مُتوازي مع الهجوم العسكري التقليدي.

أما فيما يتعلق بموقف واستجابة إسرائيل الرسمية والإعلامية بشأن الأحداث التي أحدثتها إيران ، لقد أصدرت الهيئة الوطنية الإسرائيلية للأمن السيبراني تنبيهات عاجلة للمُواطنين بشأن الرسائل الكاذبة التي بثها المُخترقون الإيرانيون ، ودعت مِنْ خلالها الهيئة الوطنية الإسرائيلية الجمهور إلى عدم تداول هذه الرسائل المُغرضة وحظر من يقوم بمُراسلتها .

وفيما يخص الإعلام لقد غطت الصحف ونشرات الأخبار الإسرائيلية حيز كبير لتغطية جوانب الحرب السيبرانية مع دولة إيران، مُحذرة مِنْ خطورة استخدامها لهذا الأسلوب الحديث في الصراع، وقد أوضحت ذلك العديد مِنْ الصحف الإسرائيلية مثل صحيفة "كالكاليست" الإسرائيلية التي قامت بوصف ما يحدث بأنه عبارة عن حرب موازية تدور في الفضاء الإلكتروني الهدف منها هو إحداث تشويش و اضطراب في الجبهة الداخلية فضلاً عن إلحاق ضرر استراتيجي بـ(إسرائيل) دون إطلاق رصاصة ، كما نقلت صحف مثل: جيروزاليم بوست وتايمز أوف إسرائيل تصريحات خبراء أمنيين يؤكدون مدى قوة وخبرة دولة إيران في هذه الهجمات السيبرانية.

ختامًا، تُعتبر الحرب السيبرانية أداة فعالة وسلاحًا استراتيجيًا في الصراعات الحديثة، حيث تستخدمها الجهات المُتحاربة بهدف تحقيق أهداف جيوسياسية وعسكرية مِنْ أجل تحقيق مكاسب على المُستوى الاستراتيحي .

وفي الفترة القادمة، مِنْ المُحتمل أن نشهد تزايدًا وتصاعدًا مُستمرًا في هذا المجال وذلك مِنْ خلال دمج أو استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه الهجمات السيبرانية وذلك مِنْ أجل زيادة سرعة ودقة هذه الهجمات التي تتكامل بشكلٍ أو بآخر مع العمليات العسكرية التقليدية، خاصةً في ظل استمرار التوترات العسكرية . وفي الوقت نفسه، قد يتم استخدامها كوسيلة تهديد وضغط نفسي ضد دولة إسرائيل . وعلى صعيدٍ مُتصل قد تُصبح تهديدًا يتجه نحو شن هجمات إلكترونية مُتطورة على الجبهة الداخلية لدولة إسرائيل، مما يؤدي إلى توسيع رقعه الصراع إلى المجال الرقمي بشكل هائل و غير مسبوق .

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.