مثلث أربيل والحلول الصعبة... الحركة الكردية في سوريا عند مفترق وجودي

- 18 يناير 2026 - 5 قراءة

بين مطرقة الجغرافيا السياسية القاسية وسندان التحولات الدولية المتسارعة، تقف الحركة الكردية في سوريا اليوم أمام أخطر اختبار وجودي في تاريخها المعاصر. فلقاء أربيل المفصلي، الذي جمع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي بالمبعوث الأمريكي توم باراك، تحت مظلة المرجعية القومية التي يمثلها الرئيس مسعود البرزاني، لا يمكن قراءته بوصفه اجتماعًا بروتوكوليًا عابرًا، بل يمثل إعلانًا صريحًا عن نهاية مرحلة «الغموض الاستراتيجي» والدخول في زمن «الحلول الصعبة».

يجسّد هذا اللقاء إدراكًا كرديًا–أمريكيًا مشتركًا بأن خارطة النفوذ في شمال سوريا لم تعد تحتمل أنصاف الحلول، وأن «اتفاق العاشر من آذار» الذي رسم ملامح دمج القوى العسكرية والسياسية، بات يشكّل الممر الإجباري الوحيد للحفاظ على الوجود الكردي من التآكل، في ظل الأطماع الإقليمية والتبدلات السياسية المتسارعة في دمشق.

مظلوم عبدي والبحث عن شرعية مؤسساتية عابرة للحدود

يسعى مظلوم عبدي، عبر هذا الحراك الدبلوماسي الرفيع، إلى تحويل القوة العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية من مجرد فاعل في مكافحة الإرهاب إلى مؤسسة شرعية معترف بها دستوريًا ضمن هيكلية الدولة السورية الجديدة. وعبدي، الذي يقرأ المشهد بعين القائد الميداني والدبلوماسي المحنك، يدرك أن المظلة الأمريكية – على أهميتها – ليست قدرًا دائمًا، ما يدفعه إلى السعي لانتزاع اعتراف واضح بلامركزية إدارية وسياسية حقيقية، تضمن خصوصية المنطقة وتحول دون إعادة إنتاج الاستبداد المركزي بصيغ جديدة.

وتتلخص تطلعاته في تحصين المكتسبات التي عُمِّدت بدماء آلاف الشهداء في معارك داعش، عبر صيغة دمج مدروسة لقواته ضمن الجيش السوري المستقبلي، كـ«فيلق محلي» أو تشكيل دفاعي خاص، يحافظ على خصوصيته القيادية وهويته العسكرية داخل مناطقه الجغرافية.

مسعود البرزاني وتوحيد البيت الكردي

يحضر الرئيس مسعود البرزاني في هذا اللقاء بوصفه صمام أمان قومي ومرجعية عليا، تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة وحساسيات الخلافات الداخلية. وتتركز رؤيته في هذه المرحلة على صياغة «عقد سياسي–اجتماعي» يوحّد الموقف الكردي السوري، إدراكًا منه بأن استمرار الانقسام بين المجلس الوطني الكردي (ENKS) وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) يمثّل الثغرة الأخطر التي تتسلل منها المشاريع المعادية.

ويسعى البرزاني إلى فرض واقع سياسي جديد يقوم على تشكيل وفد تفاوضي كردي موحّد، قادر على الذهاب إلى دمشق والمنصات الدولية بتمثيل صلب لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه. وتنطلق رؤيته من مبدأ «تكامل الأجزاء»، حيث إن استقرار إقليم كردستان العراق لا ينفصل عن استقرار روجافا، ما يدفعه للضغط باتجاه ضمان حقوق دستورية غير قابلة للمساومة، تشمل الهوية القومية، واللغة، والمشاركة الحقيقية في السلطة والثروة، بعيدًا عن منطق التبعية للمركز.

توم باراك وهندسة الانتقال في شمال سوريا

تمثل زيارة توم باراك إلى أربيل ولقاؤه بكلٍّ من عبدي والبرزاني دور «الضامن» لمنع انهيار الاستقرار الهش في شرق الفرات. فالولايات المتحدة، العالقة بين دعمها لحليفها الرئيسي في مكافحة الإرهاب (قسد) وعلاقتها الاستراتيجية مع تركيا بوصفها شريكًا في الناتو، تسعى عبر باراك إلى تهيئة ظروف «هبوط آمن» لمشروع روجافا ضمن إطار الدولة السورية الجديدة.

وتكمن المصلحة الأمريكية في تحويل التحالف العسكري إلى شراكة سياسية مستدامة، عبر الدفع نحو تنفيذ بنود الدمج العسكري، وتأمين حماية دولية للمناطق الكردية الحساسة، ولا سيما أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، لضمان عدم تعرّضها مجددًا لعمليات انتقامية أو سياسات تغيير ديموغرافي. كما يشكّل ملف الموارد النفطية عنصرًا مركزيًا في هذه الرؤية، عبر إبقائها تحت إدارة تضمن الاستقرار المحلي وتمنع توظيفها في صراعات إقليمية مفتوحة.

كيف يُفكَّك ملف روجافا؟

بدأ الحل النهائي لملف كرد سوريا يتبلور ضمن مسار واقعي جريء، يقوم على ثلاثة أبعاد متداخلة:

  • سياسيًا: الانتقال من نموذج الإدارة الذاتية الأحادية إلى إدارة تشاركية شاملة، تضم مختلف القوى الكردية والمكونات الوطنية، وتحظى باعتراف دستوري من دمشق، يقر بالخصوصية القومية الكردية بوصفها جزءًا أصيلًا من النسيج السوري. ورغم الإشارات الإيجابية في خطاب دمشق الأخير، لا يزال الشارع الكردي في روجافا يتعامل بحذر مع هذه الوعود.

  • عسكريًا: صياغة بروتوكول دفاعي معقّد يدمج مقاتلي قسد ضمن هيكلية الدفاع السوري كقوات «حرس وطني» أو «فيلق محلي»، بمهام محددة جغرافيًا، وتحت إشراف غرفة عمليات مشتركة، توازن بين السيادة الوطنية والخصوصية الميدانية، مع ضمانات دولية (أمريكية–روسية) لحماية القيادات والكفاءات.

  • قوميًا وإقليميًا: تمثل «مظلّة أربيل» التي جمعت القوى الكردية المتباينة برعاية البرزاني شهادة ميلاد لتمثيل سياسي كردي موحّد. وهذا التوحيد هو العامل الحاسم في أي مفاوضات مقبلة مع دمشق، بحيث لن يكون الكرد بعد اليوم طرفًا سهل التهميش، بل رقمًا صعبًا في معادلة صياغة دستور سوريا المستقبل، بما يضمن أن روجافا ليست مجرد جغرافيا، بل كيانًا دستوريًا مصون الحقوق.

إن نجاح هذا الحراك التاريخي يبقى مرهونًا بقدرة «مثلث أربيل» على الصمود أمام الضغوط الإقليمية، وتغليب المصلحة القومية العليا على الحسابات الحزبية الضيقة، بما يضمن انتقال تطلعات الشعب الكردي في كردستان سوريا (روجافا) من حيّز الشعارات إلى واقع دستوري ومؤسساتي راسخ.

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.