الرئيس عبد الفتاح السيسي والأمير محمد بن سلمان... قراءة في علاقة لا تعرف التخلي

- 13 أكتوبر 2026 - 80 قراءة

العلاقة بين مصر والسعودية ليست جوارًا جغرافيًا عابرًا، ولا تحالفًا سياسيًا طارئًا فرضته ظروف اللحظة، بل هي علاقة تضرب جذورها في عمق تأسيس النظام العربي الحديث نفسه. فمصر والسعودية كانتا من الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية عام 1945، ومن القلب النابض لكل محاولة عربية جادة لبناء أمن قومي مشترك منذ ذلك الحين. صحيح أن هذه العلاقة كأي علاقة تاريخية عميقة بين دولتين كبيرتين، مرّت بفترات تباين وتوتر -أبرزها الخلاف حول حرب اليمن في الستينيات- لكن ما يميزها هو قدرتها الدائمة على تجاوز الخلاف والعودة إلى جوهرها الثابت بأن أمن مصر وأمن السعودية وجهان لعملة واحدة.

هذا الثابت تجلى بوضوح في لحظات مفصلية لاحقة، من الدعم السعودي الكامل لمصر خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 عبر سلاح النفط، ومشاركة مصر الفاعلة في تحرير الكويت ضمن التحالف الدولي عام 1991، وصولًا إلى العقد الأخير الذي شهد تحالفًا استراتيجيًا متجددًا منذ عام 2013، حين وقفت الرياض بثقلها الاقتصادي والسياسي إلى جانب القاهرة في مرحلة إعادة البناء، وشاركت مصر بدورها في "التحالف العربي لدعم الشرعية" في اليمن منذ انطلاقه.

 

مصير واحد

 

هذه ليست عبارة إنشائية من مقال رأي، بل جملة قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي بنفسه، خلال اتصال هاتفي مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حين شدد الرئيس على وحدة المصير بين البلدين، مؤكدًا أن أمن المملكة العربية السعودية -وسائر الدول العربية- يمثل امتدادًا مباشرًا للأمن القومي المصري. هذه الجملة تحديدًا هي مفتاح فهم الموقف المصري الحالي من التصعيد الحوثي، فحين تتعرض السعودية لاعتداء فإن مصر لا تتعامل مع الأمر بوصفه "أزمة جوار"، بل بوصفه تهديدًا مباشرًا لأمنها هي.

مع تصاعد الهجمات الحوثية على أراضي المملكة العربية السعودية -التي استهدفت منذ الخامس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري خمسة مطارات سعودية، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى والمصابين، أبرزها الهجوم الكبير على مطار الملك خالد الدولي بالرياض- لم يكتفِ الموقف المصري بالإدانة اللفظية. وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي أجرى اتصالات متكررة مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مؤكدًا في كل مرة أن "أمن السعودية جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي"، وأعلنت وزارة الخارجية المصرية رسميًا استعداد القاهرة لتقديم "كافة أشكال الدعم" التي قد تطلبها الرياض، دون قيد أو تحفظ.

وما يستحق التوقف عنده بشكل خاص هو ما كشفته مصادر دبلوماسية من أن الرياض، رغم الضغط الذي تتعرض له، فضّلت التنسيق مع شركائها العرب التقليديين -وفي مقدمتهم مصر- على قبول عروض تدخل من أطراف إقليمية أخرى سعت لاستغلال الأزمة. وهذا في حد ذاته شهادة عملية على عمق الثقة التي بُنيت بين القاهرة والرياض عبر عقد كامل من التنسيق المتصاعد.

 

عزم الرجال لقطع ذيل إيران

 

لم تعد المعادلة في اليمن معادلة محلية بين فرقاء داخليين، بل أصبحت -كما يراها كل متابع موضوعي للملف- مواجهة مباشرة مع مشروع إيراني إقليمي يستخدم ميليشيا الحوثي أداة لضرب الأمن القومي العربي من بوابة باب المندب والبحر الأحمر، تمامًا كما استخدم أذرعه في سوريا والعراق ولبنان من قبل. وهنا يكمن المعنى الحقيقي لـ"عزم الرجال"، بأن يتحول الموقف من التضامن الدبلوماسي إلى إرادة سياسية حازمة لإنهاء هذا الملف من جذوره عبر استعادة الشرعية اليمنية الكاملة، وتفكيك قدرة الميليشيا على الاستمرار في تهديد الملاحة الدولية وأمن الجزيرة العربية، وقطع الذراع الإيرانية الممتدة من صنعاء حتى أبواب الحرمين الشريفين.

هذا بالضبط ما عبّر عنه الرئيس السيسي حين أكد، خلال استقباله ولي العهد السعودي في مصر، دعم بلاده الكامل لكل الإجراءات التي تتخذها المملكة لحماية أمنها واستقرارها، مع التشديد في الوقت ذاته على ضرورة التوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية، حل لا يعني التهاون مع الميليشيا، بل يعني إنهاء الملف بصورة جذرية لا تسمح بتكرار دورات العنف.

في مثل هذه اللحظات التاريخية، يستحضر المصريون دائمًا ذلك البيت الخالد الذي كتبه شاعر النيل حافظ إبراهيم ضمن قصيدته الشهيرة "مصر تتحدث عن نفسها"، والتي غنتها كوكب الشرق أم كلثوم في واحدة من أعظم الأعمال الوطنية في تاريخ الغناء العربي. القصيدة، بمجملها، تجسّد صورة مصر كحارسة للشرق وكرامته، لا تقبل أن يُمس أمنها أو أمن محيطها العربي دون أن ترفع صوتها وتحرك ثقلها. وهذا المعنى بالذات هو ما يستحضره كثيرون اليوم وهم يرون مصر تقف إلى جانب السعودية بلا تردد ليس بوصفه موقفًا سياسيًا عابرًا، بل بوصفه امتدادًا لوعي تاريخي راسخ بأن كرامة الشرق لا تتجزأ.

أنا إن قدر الإله مماتي

لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

* رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.